يشكل صدور القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية محطة مهمة في مسار إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بكيفية رفع الدعاوى، وتبادل المذكرات والوثائق، وعقد الجلسات، وممارسة طرق الطعن، وتبليغ الأحكام وتنفيذها.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديل جزئي لبعض الفصول، وإنما بقانون جديد يعيد تنظيم جانب واسع من إجراءات التقاضي المدني والتجاري والإداري وقضاء القرب، مع إدماج الوسائل الإلكترونية في مختلف مراحل الدعوى.
وقد صدر القانون بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونُشر بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026. ونصت المادة 643 منه على دخوله حيز التنفيذ بعد انصرام ستة أشهر من تاريخ نشره، أي خلال أواخر شهر غشت 2026.
أولاً: لماذا يعتبر القانون رقم 58.25 إصلاحاً مسطرياً مهماً؟
قانون المسطرة المدنية هو الإطار الذي يحدد الطريق القانوني الواجب اتباعه لحماية الحقوق أمام القضاء. فقد يكون الشخص صاحب حق ثابت من الناحية الموضوعية، غير أن عدم احترامه لإجراءات رفع الدعوى أو التبليغ أو الآجال أو الطعن قد يؤدي إلى عدم قبول طلبه أو سقوط حقه في ممارسة طريق من طرق الطعن.
ومن هذا المنطلق، لا تقل القواعد المسطرية أهمية عن القواعد الموضوعية المنظمة للعقود والملكية والكراء والمسؤولية المدنية والمعاملات التجارية.
ويهدف القانون الجديد، بحسب بيان أسبابه، إلى معالجة عدد من الإشكالات التي أظهرتها الممارسة القضائية، وفي مقدمتها:
- تعقيد بعض الإجراءات؛
- بطء المساطر القضائية؛
- صعوبات التبليغ؛
- التأخر في تنفيذ الأحكام؛
- تشتت القواعد الإجرائية بين عدة قوانين؛
- الحاجة إلى مواكبة التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة والعدالة.
كما يتجه القانون إلى تجميع المقتضيات المتعلقة بالمسطرة المدنية والتجارية والإدارية وقضاء القرب ضمن إطار مسطري أكثر انسجاماً، مع تنظيم أكثر تفصيلاً للاختصاص القضائي الدولي واستعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة في التقاضي.
ثانياً: تكريس مبادئ المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع
استهل القانون الجديد مقتضياته بالتأكيد على مجموعة من المبادئ الأساسية التي يتعين أن تحكم سير الدعوى القضائية.
فقد نصت المادة الأولى على التزام المحاكم بالسهر على حسن سير العدالة بما يضمن شروط المحاكمة العادلة واحترام حقوق الدفاع في جميع مراحل التقاضي.
كما أكد القانون على:
- استقلال القاضي وتجرده ونزاهته؛
- المساواة أمام القضاء، بما في ذلك مساواة الأشخاص والسلطات العمومية؛
- حق المتقاضي في صدور حكم داخل أجل معقول؛
- عدم جواز الحكم على أي طرف قبل استدعائه بصورة قانونية أو تمكينه من عرض أوجه دفاعه؛
- منح الأطراف أجلاً مناسباً لعرض أسباب طلباتهم وأدلتهم والجواب عن ادعاءات خصومهم.
وتكتسي هذه المبادئ أهمية عملية، لأنها لم تعد مجرد توجهات عامة، بل أصبحت مقتضيات قانونية مؤطرة لمختلف مراحل الخصومة القضائية.
ثالثاً: تعزيز دور المحكمة في إدارة الدعوى
يتجه القانون الجديد إلى منح المحكمة دوراً أكثر فعالية في تدبير الملف القضائي، بدلاً من الاقتصار على تلقي ما يقدمه الأطراف وانتظار استكمالهم للإجراءات.
ومن بين مظاهر ذلك أن المحكمة تستطيع إنذار الطرف أو وكيله أو محاميه لتدارك البيانات الناقصة أو تصحيح بعض العيوب الشكلية داخل أجل تحدده، قبل ترتيب جزاء عدم القبول.
فعلى سبيل المثال، إذا كان المقال الافتتاحي للدعوى يتضمن بيانات غير تامة، أو لم يكن موقعاً، أو لم ترفق به الوثائق أو النسخ المطلوبة، يمكن للقاضي إنذار الطرف المعني بتصحيح المسطرة داخل الأجل المحدد له.
ويحقق هذا التوجه قدراً من التوازن بين ضرورة احترام الشكليات القانونية وبين عدم التضحية بحقوق المتقاضين بسبب أخطاء قابلة للتدارك. غير أن عدم الاستجابة للإنذار داخل الأجل المحدد يمكن أن يؤدي إلى الحكم بعدم القبول.
لذلك، لا يعني مبدأ تصحيح المسطرة أن الشكليات أصبحت غير مهمة، بل يعني أن القانون يمنح، في بعض الحالات، فرصة لمعالجة النقص قبل ترتيب الجزاء القانوني.
رابعاً: التوسع في التقاضي الإلكتروني
يعد التحول الرقمي من أبرز مستجدات القانون رقم 58.25.
فقد أصبح من الممكن، وفق المقتضيات الجديدة، إيداع المقالات والطلبات والطعون والمذكرات والمستنتجات والوثائق والمستندات بطريقة إلكترونية، إلى جانب الطريقة الورقية.
كما يعتد بالإجراءات المتعلقة بما يلي متى أنجزت كلياً أو جزئياً من خلال المنصة الإلكترونية:
- إيداع الدعاوى والطلبات؛
- تقديم الطعون؛
- تبادل المذكرات والمستنتجات؛
- الإدلاء بالوثائق والمستندات؛
- أداء الرسوم القضائية؛
- إيداع المصاريف القضائية؛
- إجراءات التبليغ؛
- إجراءات تنفيذ المقررات القضائية.
ويعفى مودع المقال أو الطعن أو المذكرة أو تقرير الخبرة إلكترونياً من تقديم نسخ ورقية بعدد أطراف الدعوى، مع احتفاظ المحكمة بحق مطالبة الأطراف بأصول الوثائق والحجج عند الاقتضاء.
كما يمكن تضمين المقررات القضائية في النظام المعلوماتي وتوقيعها إلكترونياً، وتسليم نسخ منها إلى الأطراف من خلال المنصة الإلكترونية بعد استيفاء الشروط القانونية.
ماذا يحدث إذا تعطلت المنصة في آخر يوم من الأجل؟
عالج القانون هذه الحالة، فنص على أنه إذا تعذر الولوج إلى المنصة الإلكترونية في اليوم الأخير من الأجل القانوني، امتد الأجل إلى أول يوم يلي استئناف المنصة لخدماتها بصورة عادية.
ويتعين على الإدارة المختصة نشر بلاغ يثبت العطب الذي أصاب المنصة والمدة الزمنية التي استغرقها.
ويعتبر هذا المقتضى ضمانة مهمة حتى لا يضيع حق المتقاضي في الطعن أو اتخاذ إجراء قضائي بسبب عطل تقني لا دخل له فيه.
خامساً: إمكانية عقد الجلسات عن بُعد
أجاز القانون للمحكمة عقد الجلسات عن بُعد بواسطة تقنيات التواصل، شريطة الحصول على موافقة مسبقة وصريحة من الأشخاص المعنيين.
وتشمل إمكانية الحضور عن بُعد، بحسب الحالة، الأطراف أو من ينوب عنهم والشهود والتراجمة والخبراء، وكل شخص ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه.
غير أن الجلسة عن بُعد لا يمكن أن تتم دون ضوابط، إذ اشترط القانون:
- توفير فضاء مجهز بالوسائل التقنية الضرورية؛
- ضمان شروط المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع؛
- استمرار الاتصال المتزامن وثنائي الاتجاه بين المحكمة ومكان وجود الشخص المستمع إليه؛
- تحرير محضر بما راج خلال الجلسة؛
- إمكانية التسجيل السمعي البصري لضمان توثيق الجلسة؛
- احترام قواعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وإذا لم تتوافر هذه الشروط أو تعذر استكمال الجلسة عن بُعد، جاز للمحكمة الرجوع إلى الإجراءات الحضورية العادية بموجب مقرر معلل. كما أحال القانون كيفية تنظيم هذه الجلسات على نص تنظيمي.
وبالتالي، فإن اعتماد الجلسات عن بُعد لا يعني الاستغناء عن الجلسات الحضورية، وإنما إحداث وسيلة إضافية يمكن استعمالها عندما تتوافر الضمانات القانونية والتقنية اللازمة.
سادساً: تغييرات مهمة في قواعد التبليغ القضائي
ظل التبليغ من أكثر المراحل التي تتسبب في إطالة أمد القضايا، خصوصاً عندما يكون عنوان المدعى عليه غير صحيح، أو ينتقل من محل إقامته، أو يرفض تسلم الاستدعاء.
وقد حاول القانون الجديد معالجة بعض هذه الإشكالات من خلال قواعد أكثر دقة.
1. آثار رفض تسلم الاستدعاء
إذا رفض الطرف أو الشخص الذي له الصفة تسلم الاستدعاء، يثبت المكلف بالتبليغ ذلك في شهادة التسليم.
ويعتبر الاستدعاء مسلماً بصورة صحيحة ومنتجاً لآثاره القانونية في اليوم العاشر الموالي لتاريخ الرفض.
وهذا يعني أن مجرد رفض تسلم الاستدعاء لن يكون وسيلة لتعطيل سير الدعوى إلى أجل غير محدد.
2. اعتماد عنوان البطاقة الوطنية
إذا تعذر التبليغ وتبين أن المدعى عليه مجهول بالعنوان الوارد في الاستدعاء أو أنه انتقل منه، أجاز القانون اعتماد المعلومات المتوافرة في قاعدة المعطيات المتعلقة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية.
ويعتبر الاستدعاء الموجه إلى العنوان المستخرج من هذه القاعدة في حكم التوصل القانوني ومنتجاً لآثاره في مواجهة المدعى عليه.
وتبرز هنا أهمية تحيين المواطن لعنوانه لدى الجهات المختصة، لأن استمرار عنوان قديم أو غير صحيح في قواعد البيانات يمكن أن تترتب عنه آثار قانونية مهمة.
3. التبليغ الإلكتروني للمحامي
أجاز القانون تبليغ المقررات القضائية إلى المحامي من خلال حسابه المهني الإلكتروني، بناء على موافقته.
كما نص على توجيه إجراءات التبليغ والتنفيذ إلى المفوض القضائي عبر حسابه المهني الإلكتروني، وإرجاع نتيجة الإجراء إلى المحكمة بواسطة المنصة.
وسيكون للتبليغ الإلكتروني أثر مباشر على كيفية احتساب الآجال، لذلك يصبح التتبع المنتظم للحساب المهني والمنصة الإلكترونية مسألة أساسية لتفادي فوات آجال الطعن أو الجواب.
سابعاً: تشجيع الصلح والوساطة أثناء سير الدعوى
من التوجهات البارزة في القانون الجديد تعزيز الحلول الرضائية للمنازعات.
فقد أجاز للمحكمة، تلقائياً أو بناء على طلب أحد الأطراف، أن تعرض الصلح عليهم، وأن تأمر بحضورهم شخصياً أو بواسطة من يمثلهم بوكالة خاصة.
كما يمكنها إسناد إجراء الصلح إلى دفاع الأطراف أو المساعدين الاجتماعيين أو الأشخاص الذين تعتبرهم مؤهلين لهذه المهمة.
وإذا تم الصلح، تسجله المحكمة بمقتضى حكم غير قابل للطعن.
ويجوز للمحكمة أيضاً دعوة الأطراف إلى حل النزاع بواسطة الوساطة. فإذا وافقوا، منحتهم أجلاً معقولاً للإدلاء بنتيجة الوساطة، ثم سجلت الاتفاق المتوصل إليه بحكم غير قابل للطعن.
وقد يكون اللجوء إلى الصلح أو الوساطة مناسباً بصورة خاصة في:
- النزاعات بين الشركاء؛
- المنازعات العائلية والمالية بين الأقارب؛
- نزاعات الجوار والارتفاق؛
- بعض منازعات الكراء؛
- النزاعات التجارية المستمرة بين مقاولات تجمعها علاقات تعاقدية؛
- القضايا التي تكون فيها المحافظة على العلاقة بين الأطراف أكثر فائدة من استمرار الخصومة.
غير أن قبول أي اتفاق صلحي يقتضي دراسة آثاره القانونية والمالية والتنفيذية، لأن الحكم المثبت للصلح لا يقبل الطعن.
ثامناً: تكريس حسن النية ومحاربة التقاضي الكيدي
ألزم القانون كل متقاض بممارسة حقه في التقاضي وفق قواعد حسن النية، وبكيفية لا تعرقل حسن سير العدالة.
كما أجاز للطرف المتضرر المطالبة بالتعويض عن التقاضي بسوء نية، سواء أثناء نظر الدعوى أو بواسطة دعوى مستقلة.
وفي مسطرة الأمر بالأداء، شدد القانون بصورة خاصة على مواجهة الطعون التي يقصد منها المماطلة. فإذا تبين للمحكمة أن التعرض أو الاستئناف لم يكن الغرض منه إلا التسويف، وجب عليها الحكم على المدين بغرامة لفائدة الخزينة العامة تتراوح بين 5% و15% من مبلغ الدين المحكوم به.
ويفترض هذا التوجه أن يتم استعمال الدعاوى وطرق الطعن للدفاع الجدي عن الحقوق، لا كوسيلة لتعطيل الوفاء بالالتزامات أو تأخير تنفيذ الأحكام دون مبرر قانوني.
تاسعاً: تنظيم أوضح للاختصاص القضائي الدولي
خصص القانون الجديد باباً للاختصاص القضائي الدولي للمحاكم المغربية.
ومن بين الحالات التي تختص فيها محاكم المملكة:
- الدعاوى المرفوعة ضد مغربي، ولو لم يكن له موطن أو محل إقامة بالمغرب، باستثناء بعض الدعاوى المتعلقة بعقار موجود بالخارج؛
- الدعاوى المرفوعة ضد أجنبي له موطن أو محل إقامة بالمغرب؛
- بعض الدعاوى المرفوعة ضد أجنبي لا يقيم بالمغرب عندما يتعلق النزاع بمال موجود بالمغرب أو بالتزام نشأ أو نفذ أو كان واجب التنفيذ فيه؛
- دعاوى المسؤولية التقصيرية عندما يقع الفعل أو الضرر فوق التراب الوطني؛
- حماية حقوق الملكية الفكرية بالمغرب؛
- مساطر صعوبات المقاولة المفتوحة بالمغرب؛
- بعض قضايا النفقة والنسب والأحوال الشخصية.
ويكتسي هذا التنظيم أهمية خاصة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، والأجانب المقيمين بالمملكة، والمقاولات التي تبرم عقوداً دولية، والنزاعات المرتبطة بأموال أو التزامات موزعة بين أكثر من دولة.
ولا بد في المنازعات الدولية من مراعاة الاتفاقيات الدولية وقواعد الاختصاص والقانون الواجب التطبيق وشروط تنفيذ الأحكام الأجنبية بالمغرب، وهي مسائل تستوجب دراسة كل حالة على حدة.
عاشراً: مستجدات طرق الطعن أمام محكمة النقض
أدخل القانون مجموعة من المقتضيات المهمة المتعلقة بالطعن بالنقض.
1. تحديد بعض الأحكام غير القابلة للنقض
استثنى القانون من الطعن بالنقض الأحكام الصادرة في الطلبات التي لا تتجاوز قيمتها ثلاثين ألف درهم، كما استثنى الطلبات المتعلقة باستيفاء واجبات الكراء والتحملات الناتجة عنها، وبمراجعة الوجيبة الكرائية.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه القضايا لا تقبل أي طعن، وإنما يتعلق الأمر تحديداً بإمكانية عرضها على محكمة النقض بعد استنفاد المراحل المقررة قانوناً.
ويقتضي هذا المستجد عناية خاصة منذ المرحلة الابتدائية والاستئنافية، لأن القرار الصادر في بعض القضايا قد يصبح نهائياً دون إمكانية عرضه على محكمة النقض.
2. أجل الطعن بالنقض
حدد القانون أجل الطعن أمام محكمة النقض، ما لم يوجد نص خاص، في ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه إلى الشخص نفسه أو في موطنه الحقيقي أو المختار.
كما سمح بإيداع مقال النقض بطريقة إلكترونية وأداء الرسم القضائي إلكترونياً.
3. هل يوقف الطعن بالنقض تنفيذ الحكم؟
الأصل أن الطعن بالنقض لا يوقف تنفيذ الحكم، إلا في الحالات التي حددها القانون، ومنها بعض قضايا الأحوال الشخصية والزور والتحفيظ العقاري، وبعض المقررات الصادرة في القضايا الإدارية.
كما أجاز القانون لمحكمة النقض، بناء على طلب وموجب قرار معلل، أن تأمر بإيقاف تنفيذ مقررات الإفراغ وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، وفق الشروط القانونية.
ولهذا فإن مجرد تقديم مقال النقض لا يكفي دائماً لمنع تنفيذ الحكم، بل يتعين التحقق مما إذا كانت القضية تدخل ضمن حالات الإيقاف بقوة القانون أو تسمح بتقديم طلب مستقل لإيقاف التنفيذ.
4. إمكانية تصدي محكمة النقض للموضوع
أجاز القانون لمحكمة النقض، عند نقض الحكم أو القرار للمرة الثانية، أن تتصدى للبت في القضية إذا كانت تتوافر على جميع العناصر الواقعية التي سبق أن ثبتت أمام قضاة الموضوع.
ويهدف هذا المقتضى إلى تفادي تكرار الإحالة بين محكمة النقض ومحاكم الموضوع وإطالة أمد النزاع دون ضرورة.
الحادي عشر: تعزيز دور قاضي التنفيذ
لا تتحقق الحماية القضائية بمجرد صدور الحكم، بل تكتمل عندما يتم تنفيذه بصورة فعلية.
وقد منح القانون الجديد لقاضي التنفيذ دوراً مركزياً في الإشراف على إجراءات التنفيذ ومراقبتها، بما في ذلك تتبعها من خلال النظام المعلوماتي.
ويتدخل قاضي التنفيذ في عدد من المسائل، من بينها:
- الإشراف على سير إجراءات التنفيذ؛
- النظر في بعض الصعوبات والمنازعات المرتبطة بالتنفيذ؛
- اتخاذ القرارات المتعلقة بالأموال المحجوزة؛
- الإذن ببعض إجراءات الإدارة أو البيع؛
- مراقبة إجراءات البيع بالمزاد العلني؛
- التدخل عند عدم كفاية العروض أو تعذر البيع.
كما تنجز إجراءات تبليغ وتنفيذ المقررات القضائية من خلال النظام المعلوماتي، وتضمن فيه مختلف الإجراءات المتخذة، مع توجيه ملفات التنفيذ إلكترونياً إلى المفوض القضائي وإرجاع نتائجها إلى المحكمة عبر المنصة.
ومن شأن هذا التنظيم أن يساعد على تحسين تتبع ملفات التنفيذ وتحديد المسؤوليات، غير أن فعاليته العملية ستظل مرتبطة بجاهزية الأنظمة المعلوماتية والموارد البشرية والإمكانات المتاحة للمحاكم.
الثاني عشر: البيع بالمزاد العلني عبر المنصة الإلكترونية
أجاز القانون المشاركة في إجراءات البيع بالمزاد العلني إما حضورياً أو عن بُعد بواسطة المنصة الإلكترونية، وفق شروط وكيفيات تحدد بنص تنظيمي.
وبالنسبة إلى بعض المنقولات المحجوزة، يمكن إجراء البيع في سوق عمومي أو عن طريق منصة إلكترونية أو في أي مكان يسمح بالحصول على أفضل عرض، مع إشهار تاريخ ومكان المزاد بالوسائل المناسبة، بما فيها الموقع الإلكتروني للمحكمة.
وقد يساهم المزاد الإلكتروني في:
- توسيع دائرة المشاركين في المزايدة؛
- تحسين فرص الحصول على عروض أفضل؛
- تعزيز الشفافية والإشهار؛
- الحد من بعض الصعوبات المرتبطة بضرورة الحضور الشخصي؛
- تسريع بيع الأموال والعقارات المحجوزة.
غير أن التطبيق الفعلي لهذا النظام يظل مرتبطاً بصدور النصوص التنظيمية وتوفير منصة تضمن التعريف بالمزايدين، وسرية وأمن المعطيات، وسلامة العروض والأداء، وتوثيق مختلف مراحل البيع.
الثالث عشر: ما أثر القانون الجديد على المنازعات العقارية والكرائية؟
سيكون للقانون الجديد أثر مهم على المنازعات المرتبطة بالعقار، بالنظر إلى أن هذه القضايا ترتبط في الغالب بإجراءات التبليغ والخبرة والحجز والتنفيذ والبيع بالمزاد العلني.
ومن أهم الآثار العملية المنتظرة:
- إمكانية إيداع الدعاوى والوثائق والخبرات إلكترونياً؛
- اعتماد قواعد أكثر دقة لتحديد عنوان الأطراف وتبليغهم؛
- تتبع إجراءات تنفيذ الأحكام العقارية من خلال النظام المعلوماتي؛
- إمكانية المشاركة عن بُعد في المزادات العلنية؛
- استمرار عدم إيقاف الطعن بالنقض للتنفيذ كقاعدة عامة، مع وجود مقتضيات خاصة ببعض قضايا التحفيظ العقاري والإفراغ؛
- عدم قبول الطعن بالنقض في الطلبات المتعلقة باستخلاص واجبات الكراء والتحملات ومراجعة الوجيبة الكرائية.
لذلك، فإن مباشرة دعوى تتعلق بالإفراغ أو الكراء أو القسمة أو الشفعة أو الحدود أو الارتفاق أو استحقاق عقار لا ينبغي أن تقتصر على مناقشة أصل الحق، بل يجب أن تشمل منذ البداية استراتيجية مسطرية متكاملة تراعي التبليغ والإثبات والخبرة والطعن والتنفيذ.
الرابع عشر: ما أثر القانون على المقاولات والمنازعات التجارية؟
بالنسبة إلى المقاولات، يمكن أن يساهم القانون الجديد في تبسيط تدبير الملفات القضائية، خاصة من خلال الإيداع الإلكتروني للمقالات والمذكرات والوثائق وأداء الرسوم وتتبع التبليغ والتنفيذ.
ويهم القانون بصورة مباشرة:
- منازعات استخلاص الديون؛
- الأوامر بالأداء؛
- النزاعات بين الشركاء؛
- النزاعات المتعلقة بالعقود التجارية؛
- منازعات الأصل التجاري؛
- الإجراءات التحفظية والحجوز؛
- صعوبات المقاولة؛
- تنفيذ الأحكام الصادرة ضد المدينين.
غير أن الرقمنة تفرض، في المقابل، عناية أكبر بتنظيم الوثائق الإلكترونية، وتحيين بيانات الشركة وعنوان مقرها المسجل، وتتبع الحسابات المهنية والإشعارات، وعدم إغفال الآجال القصيرة المرتبطة ببعض الإجراءات.
الخامس عشر: ماذا ينبغي على المتقاضي القيام به قبل دخول القانون حيز التنفيذ؟
يفرض الانتقال إلى المنظومة الجديدة قدراً من الاستعداد، سواء بالنسبة إلى الأشخاص الذاتيين أو المقاولات والمهنيين.
ومن التدابير العملية المفيدة:
تحيين العنوان والبيانات الشخصية
ينبغي التأكد من صحة العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية والوثائق الرسمية والسجل التجاري، لأن التبليغ الموجه إلى العنوان القانوني قد يرتب آثاره ولو لم يكن الشخص يقيم فيه فعلياً.
الاحتفاظ بأصول الوثائق
قبول الوثائق إلكترونياً لا يلغي أهمية أصول العقود والوصولات والإنذارات والمراسلات والمستندات، إذ يمكن للمحكمة أن تطلب الإدلاء بالأصل عند الاقتضاء.
تتبع الآجال بدقة
قد يبدأ سريان أجل الطعن أو الجواب من تاريخ التبليغ الإلكتروني أو القانوني، لذلك لا ينبغي الانتظار إلى آخر يوم لاتخاذ الإجراء.
مراجعة وضعية الملفات الجارية
يستحسن تحديد المرحلة التي وصل إليها كل ملف قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، لمعرفة ما إذا كانت ستطبق عليه القواعد القديمة أو بعض المقتضيات الجديدة.
عدم استعمال الطعن لمجرد تأخير التنفيذ
أصبح القانون أكثر تشدداً تجاه التقاضي بسوء نية والطعون التي يقصد منها المماطلة، وقد تترتب عنها تعويضات أو غرامات إلى جانب المصاريف القضائية.
السادس عشر: كيف ستعالج القضايا الجارية عند دخول القانون حيز التنفيذ؟
تضمنت المادة 643 قواعد انتقالية مهمة لتفادي الاضطراب في الملفات المفتوحة.
فقد نص القانون على استمرار تطبيق قواعد الاختصاص النوعي والمكاني السابقة على القضايا الجاهزة للحكم قبل دخوله حيز التنفيذ.
كما يستمر العمل بالمقتضيات المتعلقة بالآجال إذا كان سريان الأجل قد بدأ قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ.
أما المقتضيات الجديدة المتعلقة بطرق الطعن، فلا تطبق على الأحكام التي صدرت قبل دخول القانون حيز التنفيذ.
ويعني ذلك أن تحديد القانون الواجب التطبيق على ملف قائم يتطلب معرفة:
- تاريخ رفع الدعوى؛
- المرحلة التي وصل إليها الملف؛
- ما إذا كانت القضية جاهزة للحكم؛
- تاريخ صدور الحكم؛
- تاريخ بدء سريان أجل الطعن.
السابع عشر: ما القوانين التي سيعوضها القانون رقم 58.25؟
ابتداء من تاريخ دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، تنسخ مقتضيات قانون المسطرة المدنية الصادر سنة 1974 كما وقع تغييره وتتميمه.
كما ينسخ القانون عدداً من المقتضيات الواردة في النصوص المنظمة للمحاكم التجارية والمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية وبعض مقتضيات قضاء القرب، على أن تعوض الإحالات الواردة في النصوص الجاري بها العمل بالمقتضيات المماثلة لها في القانون الجديد.
ولا يعني ذلك إلغاء القضاء التجاري أو الإداري أو قضاء القرب، وإنما تجميع جزء مهم من قواعده الإجرائية داخل قانون المسطرة المدنية الجديد، مع استمرار التخصص القضائي وفق قانون التنظيم القضائي والنصوص ذات الصلة.
خاتمة
القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية ليس مجرد تعديل تقني لبعض إجراءات التقاضي، بل يمثل انتقالاً نحو نموذج جديد يقوم على رقمنة المساطر، وتعزيز دور المحكمة في إدارة الدعوى، وتطوير التبليغ والتنفيذ، وتشجيع الصلح والوساطة، وتنظيم طرق الطعن والاختصاص القضائي الدولي بصورة أكثر تفصيلاً.
غير أن نجاح هذا الإصلاح لن يرتبط بالنص القانوني وحده، بل سيتوقف أيضاً على صدور النصوص التنظيمية اللازمة، وجاهزية المنصة الإلكترونية، وتكوين مختلف المتدخلين، وتأمين المعطيات، وضمان ولوج المتقاضين إلى الخدمات الرقمية دون المساس بحقوق الدفاع والمساواة أمام القضاء.
كما أن الأثر القانوني لكل مقتضى قد يختلف بحسب طبيعة الدعوى وتاريخ رفعها ومرحلتها والإجراءات التي تمت فيها. لذلك، ينبغي دراسة كل ملف بصورة مستقلة قبل اتخاذ أي إجراء أو ممارسة أي طريق من طرق الطعن.
تنبيه قانوني: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طبيعة عامة وتوعوية، ولا تشكل استشارة قانونية خاصة. وتقتضي الاستشارة القانونية دراسة وقائع الملف ووثائقه وتواريخه والإجراءات المنجزة فيه.
العودة إلى جميع المقالات ←